المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة إلى سيادة الشيطان العام


عويس القلنسي
09-03-2008, 05:32 PM
رسالة إلى سيادة الشيطان العام








وجه لي أحد الأخوة مشكورا نقدا لاذعا، في معرض رده، على مقال لي بعنوان شيخ المشايخ، وكان فحوى نقده في سؤال، و هو لماذا تنتقد شيوخ المشايخ دون غيرهم من المسؤولين في الجزيرة؟ و الجواب على هذا السؤال سيكون في ثنايا هذا المقال الذي سوف نتناول من خلاله مجموعة أخرى من رموز الفساد، و فلاسفة الفقر والإفقار في بلادنا، و هم مدراء الدوائر، و المسؤولون في مختلف المؤسسات في جزيرة سقطرى، و لكن قبل الخوض في موضوع هؤلاء المسؤلين،و ما لهم و ما عليهم...
اسمحوا لي أخواني و أخواتي الأعزاء أن أحكي لكم حكاية.. لا بل أشكوا إليكم من مدير الدائرة التي أعمل بها في أحدى الدول التي هاجرت إليها، و التي يسودها النظام و القانون..
فهذا المدير سامحه الله طفشني و طفش معي كل الموظفين الكسالى مثلي في دائرتنا، فهو يأتي إلى الدائرة في كل صباح قبلنا جميعا بوقت طويل، ولا ندري متى ينام!!
فنلقاه في انتظارنا عند باب الدائرة، و قد وضع وقتا معينا فمن تأخر منا عن هذا الوقت يكون نهاره أسود، لأنه لن يذهب إلى بيته في ذلك اليوم كالمعتاد كما يذهب الجميع بعد نهاية يوم عمل طويل و شاق، بل يبقى في الدائرة يقضي عقوبة إلى المساء، كعقاب له على تأخره و حتى يكون عبرة للآخرين من الموظفين الكسالى.. و لو انتهى الأمر عند هذا الحد، لهانت المسالة و لسامحناه..
ولكن هذا المدير لا يكتفي بذلك، بل يداهمنا بين لحظة و أخرى و يفاجئ كل موظف، و يفتش عليه عمله، و يسأله لماذا فعل هذا؟؟ و لماذا لم يفعل ذاك؟؟
بحجة الحرص و تفقد سير العمل في الدائرة، و هذا ما زاد حنقنا، نحن الكسالى و ضيقنا به، حتى أصبح الكل يشكوا و يتذمر من هذا المدير، فسمعت أحدهم يقول هذا المدير واقف لنا بالمرصاد، و قال أخر بل هو وقف لنا كالشوكة في البلعوم، و قال ثالث متى ينتقل من الدائرة و نفتك منه؟! و أنا مثلهم أشكو و أتذمر.. و لكن أحيانا أنسى الشكوة و التذمر و أشعر بالإعجاب و الاحترام لهذا المدير، وأعجبت من حبه لعمله و تفانيه و حرصه على أن يؤدي الجميع عمله على أحسن وجه باديا بنفسه، فهو لا يأمرنا بالتزام ما إلا و كان هو نفسه أول من ألتزم به، لذلك عجزنا من أن نمسك عليه ماسكة، أو نأخذ عليه مؤاخذة..


ثم شطح خيالي بعيدا و سافرت روحي إلى هناك إلى حيث وطني الأم الذي تهجّرت منه عنوة، بسبب صعوبة الحياة و بؤسها، و بحثا عن حياة أفضل، و لكن مازال لي هناك أهل و أخوة من أبناء وطني يعانون الأمرين.. ثم غشيتُ كل دائرة و مؤسسة، و دلفتُ إلى مكاتب السادة المديرين العامين و المسؤولين في كل دائرة ومؤسسة..
فوجدتُ سيادة الشيطان العام في أحدى الدائر و قد سرح الموظفين و منحهم أجازات مفتوحة على شرط أن يأخذ نصف رواتبهم عند رأس كل شهر، مقابل أن يعمل الموظفون في أعمال أخرى أجدى و أنفع من هذه الوظيفة التافهة..


كما وجدت شيطانا عاما أخر، يصرخ بأعلى صوته طالبا الرشوة من المواطنين الذين لهم مصلحة في دائرته، لمن أراد منهم أن ينجز معاملته قبل الآخرين، أو يحصل على حق لا يستحقه.. جهارا نهارا دون خوف أو وجل، فقلتُ كيف له أن يفعل ذلك؟؟ ألا يخاف من العقاب و القانون؟؟ قالوا هذا أقوى من القانون، بل هو قلعة حصينة من قلاع الفساد، فيدوس على القانون و النظام، بكل فخر واعتزاز، لأن في ذلك دليل قوته و علو شأنه، أما الذين يلتزمون بالقانون فهم البسطاء من الناس، و العاجزون عن خرق القانون.. فلا يستطيع خرق القانون إلا الكبار من أصحاب الوجاهة والمناصب..


و أخر دخل عليه احد المواطنين البسطاء من أبناء وطنه يريد منه خدمة أو عونا، فنهره، و طرده شر طردة، و حينما دخل عليه أخر من الغرباء من غير أبناء وطنه قام له مبتسما بشوشا فرحا بمقدمه، معانقا له منفدا لجميع طلباته راضيا مسرورا.. بينما نحن نرى في البلاد الأخرى للمواطن مكانته، و حقوقه الكاملة، من تقديم الخدمات، و حسن المعاملة و تسهيل إجراءات، وتقديمه على غير المواطنين، ليشعر الإنسان بأنه في وطنه، و مسقط رأسه، فيزداد حبه لوطنه، و وفاءه له، و لما في ذلك من ترسيخ لوطنيته و تنمية لانتمائه، لأن إذا شعر الإنسان بغربة في عقر داره، و أصبح لا يشعر بالانتماء لوطنه الأم و مسقط رأسه، فأن الأرض تضيق به على رحابتها، فيصبح باطنها خيرا له من ظهرها...


و أخر لم يأتي إلى دائرته التي هو مديرها منذ شهور أو سنين، و قد أوكل بصلاحياته إلى احد الفراشين المخلصين، و أوعز له بإبلاغه في حالة حضور وفد من المفتشين من الوزارة، أو جهات عليا، فيأتي عند ذلك مسرعا، و لكنه ليس خوفا من ذلك الوفد أو حرصا على الوظيفة، و أنما لاستقبال الوفد القادم بالعزائم و المآدب، تملقا و تقربا و بحثا عن مراكز أعلى أو علاوات..
فهو يعرف بأنه لن يزيله احد عن منصبه طالما بقي على العهد بالفساد.. كما يعلم تمام العلم بأن تلك الوفود شكلية بل هي صورية لا أكثر.. فأعضاء هذه الوفود لا يأتون إلا بحثا عن العزائم و الولائم.. وهم يأتون من وزارات تنخرها سوسة الفساد حتى غدت المصدر الرئيسي، والمنبع الذي تأتي منه روافد نهر الفساد، الذي اجتاحت فيضانه البلاد، و سحقت جحافله العباد.. كما تأتي روافد نهر النيل الأزرق من بحيرة فيكتوريا في أواسط أدغال أفريقيا..



و أخر يجمع أموال الجزيرة، و دخلها في غرة كل شهر، فيضعها في أكياس كبيرة و يحملها إلى أسياده في محافظة حضرموت، ثم يعود إلى الجزيرة فرحا مسرورا بذلك، حتى تقام بها مشاريع التنمية و التطوير هناك، لأن بلده سقطرى لا تستحق التنمية، و ليست بحاجة إلى التطوير.. و هكذا كانوا يفعلون فيزمن الدولة الأشتراكية السابقة، فقط أختلف المكان الذي تحمل إليه هذه الأموال، حيث كانت تحمل في السابق إلى عدن العاصمة السابقة، أما الآن، فتحمل هذه الأموال إلى حضرموت الوريث الشرعي للجزيرة...

و آخر يرى الفوضى و الفساد ينخر في عظام دائرته حتى النخاع، و لا يحرك ساكنا، فهو طيب القلب إلى درجة السذاجة، و متواكلا إلى درجة الإهمال، حتى غدا وجوده في الدائرةكغيابه..



و وجدتُ أخر أميا لا يقرأ و لا يكتب، فعجبت من ذلك و سألت كيف حصل هذا الشخص الأمي على هذا المنصب المهم و الحيوي، الذي يلزم من يشغله أن يكون حاصلا على شهادة علمية كبيرة، و أن يكون صاحب كفاءة و دراية في التخطيط الإداري، و التنسيق و التنظيم الذي تحتاجه منشأة كهذه؟؟ فقيل لي بأنه قد أشتراه ببضعة ملايين من الريالات من العاصمة صنعاء، وهي المؤهلات التي تبوء بموجبها هذه المكانة الرفيعة، و هناك من قضى عمره في طلب العلم في أرقى الجامعات و لم يحصل على منصب كهذا...



فرجعت إليَّ روحي خائبة منكسرة يائسة بائسة، يلفها اليأس و القنوط.. ثم سألتُ هؤلاء المديرين أليس فيكم رجل رشيد؟؟!! أليس فيكم مدير واحد كالذي تحدثنا عنه آنفا ليكون قدوة يقتدى بها أو مثالا يحتدى به، فيعطي لباقي المديرين و المسؤولين دروسا في النظام و القانون و الانضباط..
فينشر هذه العدوة الطيبة في باقي الدوائر والمؤسسات فيغير وجه التاريخ في جزيرتنا الرائعة، إلى ما فيه الخير و الصلاح و تغيير حياة الإنسان السقطري إلى الأفضل، و عودة المشردون من مجاهل الإغتراب إلى بلادهم.. فشعبنا قليل لا يحتمل التهجير و لكن هذه سياسة الطرد و الإحلال التي تنفد على قدم و ساق في الجزيرة.. و هذا واضح من حرمان الجزيرة حتى من أبسط الخدمات،التي هي حق من حقوق الإنسان، و واجب على أي دولة توفيرها لشعبها..ألا تستحق هذه الجزيرة الكبيرة بمساحتها و سكانها مستشفى واحدة للعلاج، يكون جيدا و قادرا على تقديم أبسط الخدمات الصحية للسكان تكفّ فقراء الجزيرة مؤونة السفر إلى المكلا و صعناء لعلاج أمراضا بسيطة.. حتى لا يضطر الإنسان السقطري إلى بيع بيته ليتمكن من السفر إلى حضرموت لعلاج طفله؟؟؟
و لماذا لا تتوفر في الجزيرة مستشفى واحدة على غرار تلك المستشفيات الموجودة في المكلا و صنعاء؟؟؟


و بعد هذه الرحلة المضنية التي تجولنا خلالها في مختلف الدائر و المؤسسات العامة و إطلعنا على سير العمل فيها، بقي لنا أن نعوذ بالله من المدير الرجيم.. ثم أن نسأل أنفوسنا بعض الاسئلة و هي:

ــ لماذا هذا الانفلات و الفساد الكبير الذي أنتشر في الجزيرة و الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الجزيرة؟؟ ثم أين دور السلطة المحلية عن كل ماجرى و يجري هناك؟؟ ومن هو المسؤول الأول، أو الرجل الأول إذا صح التعبير، في الجزيرة حتى يقع عليه اللوم، و يتحمل وزر كل هذه المآسي، التي حصلت في الجزيرة، فيحاسبه شعب الجزيرة في يوم ما، وهو أمر لا بد واقع.. سواء كان ذلك عاجلا أم آجلا، فيوم الحساب آتية لا محالة.. و الويل حين ذاك للظالمين؟؟


و للإجابة عن هذه الإسئلة يجب علينا أن نبحث عن رأس الأفعى التي انحنت و طوت جسدها على كل دائرة و مؤسسة في الجزيرة.. و نفثت فيها من نقيع سمومها.. و لكن لو حاولنا البحث عن ذلك الرأس لما وجدناه أبدا.. بل لوجدنا بذلا من ذلك جسما أخطبوطيا متعدد الرؤوس و الأرجل.. فالسلطة في الجزيرة هلامية وغيري واضحة المعالم،فالمشكلة إذنً تكمن في رأس السلطة الذي اختفى هناك، و لم يعد يُعرف مصيره منذُ زمنبعيد.. فنحن نسمع بما يسمى بالمدير العام أو المأمور في الجزيرة.. و لكننا لانرى له دورا واضحا في ضبط الأمور و السيطرة و تسيير شؤون الجزيرة، و محاربة الفساد، و تحريك المياه الراكدة في كافة الدوائر و المؤسسات التي أصابها الضمور حتى اختفى دورها الايجابي في فرض سيادة القانون و النظام، و ضمان الأمن و الآمان و تسيير عجلة التنمية و التطوير.. كما نسمع عن المجالس المحلية في المدريتين حديبوه و قلنسية و لكن لا نرى لهما دورا واضحا في القيام بالواجبات البرلمانية و الوطنية كإصدار لوائح أو قوانين محلية تهدف إلى محاربة الفساد المتفشي في الجزيرة و محاسبة المسؤولين ومناقشتهم حول ما يرتكبونه من أخطاء.. أو التدخل الايجابي، عندما يحصل الاعتداء على شعب الجزيرة، و حقوق الإنسان هناك، كما حصل لعائلة حيبق المناضلة التي تعرضت لعدوان غاشم و همجي و ما زال أفرادها بين جريحا و قابعا خلف قضبان السجون..
كما أتضح للجميع ضعف دور هذا المجالس و قلة حيلتها و صوريتها عندما حاول المجلس المحلي في حديبوه إصدار قرارا بمنع القات في الجزيرة فتم ضرب عرض الحائط بهذا القرار و رفضته مختلف الدوائر في الجزيرة فأنكسر خاطر أعضاء هذا البرلمان أو المجلس و نكسوا رؤوسهم في الأرض خجلا و أتفقوا على أن لا يغامروا مرة أخرى في إصدار القوانين و اللوائح و القرارات طالما مصيرها مكب النفايات حفاظا على ما تبقى من ماء وجوههم و سمعة مجلسهم الموقر...

عويس القلنسي

تورهر
09-04-2008, 03:10 AM
قصة رايعة وجواب شافي تشكر عليه هذا هي الذنيا تتغير من حال الى حال
ومن الصعوبة أن نجد قايد او مسول مثل مسؤلك الذي ملو منه ربعك وانته في البدايه
ولو نجد شخص واحد فقط بنفس الوفا ء لوطنه وعمله لا كناء عشنا في نعيم وعم الخير الجميع ولكن هيهات من تنادي انت في وادي وهم في غير وادي
شكرا لانك امتعتنا واحزتنا في قصتك وموضوعك الرايع

ابن قلنسية
09-13-2008, 05:26 AM
بدات في السبعينات وأنتهت بالاربعة والتسعين
يعطيك العافية على الطرح المتميز وهذا ما تعودنا منك
والشيطان العام هو من أراد الخير للجميع والله المستعان
تقبل فائق الشكر ومروري

~¤ô¦¦As Milan¦¦ô¤~
09-26-2008, 12:22 AM
مشكوووووور أأخووي ع الموضوع كلام في غاايه الروووووعه والواقعيه

تقبل مروريـ ويعطيك الف عافيهـ

عويس القلنسي
11-16-2008, 04:44 PM
الأخوة الأعزاء
أبودياب
الخيال
بدون مجاملات
فوتاك
المراقب أس ميلان
شكرا لكم جميعا على المرور و الردود التي زادت الموضوع بهاءا و مكانة و لكم جزيل الشكر و التقدير
و أسف عن التأخر في الرد بسبب بعض المشاغل
أخوكم القلنسي